ابن قتيبة الدينوري

102

تأويل مشكل القرآن

متى ما أشأ غير زهو الملو * ك أجعلك رهطا على حيّض وأكحلك بالصّاب أو بالجلا * ففقّح لكحلك أو غمّض وأسعطك في الأنف ماء الآباء * ممّا يثمّل بالمخوض جهلت سعوطك : حتى ظننت * بأن قد أرضت ، ولم تؤرض والرّهط : جلد تلبسه المرأة أيام الحيض . والصاب : شجر له لبن يحرق العين . والجلا : كحل يحكّ على حجر ثم يكتحل به . والأباء : القصب ، وماؤه شرّ المياه . ويقال : الأباء هاهنا : الماء الذي تشرب منه الأروى ، فتبول فيه وتدمّنه . ويثمّل : ينقع . وهذه أمثال ضربها لما يهجوه به . وقال آخر « 1 » : سأكسوكما يا ابني يزيد بن جعثم * رداءين من قار ومن قطران في أشباه لهذا كثيرة . وهذه الآية « 2 » نزلت في الوليد بن المغيرة ، ولا نعلم أن اللّه عزّ وجل وصف أحدا وصفه له ، ولا بلغ من ذكر عيوبه ما بلغه من ذكرها منه لأنه وصفه بالخلف ، والمهانة ، والعيب للناس ، والمشي بالنّمائم ، والبخل ، والظلم ، والإثم ، والجفاء ، والدّعوة . فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا ولا في الآخرة ، كالوسم على الخرطوم ، وأبين ما يكون الوسم في الوجه . ومما يشهد لهذا المذهب ، ما رواه سفيان ، عن زكريا ، عن الشّعبي في قوله تعالى : عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ( 13 ) [ القلم : 13 ] أنه قال : العتلّ : الشديد . والزّنيم : الذي له زنمة من الشّرّ يعرف بها ، كما تعرف الشاة بالزّنمة . أراد الشّعبي : أنه قد لحقته سبّة من الدّعوة عرف بها كزنمة الشّاة .

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في الشعر والشعراء 1 / 156 ، والمعاني الكبير 2 / 799 ، 1175 . ( 2 ) يشير إلى الآية : سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ .